أبي بكر الكاشاني

231

بدائع الصنائع

الدراهم والدنانير التي لا تتعين بالتعيين والمعقود عليه ههنا يتعين بالتعيين وقال بعضهم ينعقد لأنه يثبت به ملك العين في الجملة وأما لفظ الوصية فلا ينعقد به عند عامة مشايخنا لان الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت والنكاح المضاف إلى زمان في المستقبل لا يصح وحكى عن الطحاوي انه ينعقد لأنه يثبت به ملك الرقبة في الجملة وحكى أبو عبد الله البصري عن الكرخي ان قيد الوصية بالحال بأن قال أوصيت لك يا بنتي هذه الآن ينعقد لأنه إذا قيده بالحال صار مجازا عن التمليك ولا ينعقد بلفظ الاحلال والإباحة لأنه لا يدل على الملك أصلا ألا ترى أن المباح له الطعام يتناوله على حكم ملك المبيح حتى كان له حق الحجر والمنع ولا ينعقد بلفظ المتعة لأنه لم يوضع للتمليك ولان المتعة عقد مفسوخ لما نبين إن شاء الله في موضعه ولو أضاف الهبة إلى الأمة بأن قال رجل وهبت أمتي هذه منك فإن كان الحال يدل على النكاح من احضار الشهود وتسمية المهر مؤجلا ومعجلا ونحو ذلك ينصرف إلى النكاح وان لم يكن الحال دليلا على النكاح فان نوى النكاح فصدقه الموهوب له فكذلك وينصرف إلى النكاح بقرينة النية وان لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة والله عز وجل اعلم ثم النكاح كما ينعقد بهذه الألفاظ بطريق الأصالة ينعقد بها بطريق النيابة بالوكالة والرسالة لان تصرف الوكيل كتصرف الموكل وكلام الرسول كلام المرسل والأصل في جواز الوكالة في باب النكاح ما روى أن النجاشي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رضي الله عنها فلا يخلو ذلك اما ان فعله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا بأمره فان فعله بأمره فهو وكيله وان فعله بغير أمره فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم عقده والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة وكما ينعقد النكاح بالعبارة ينعقد بالإشارة من الأخرس إذا كانت إشارته معلومة وينعقد بالكتابة لان الكتاب من الغائب خطابه والله تعالى أعلم وأما بيان صيغة اللفظ الذي ينعقد به النكاح فنقول لا خلاف في أن النكاح ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي كقوله زوجت وتزوجت وما يجرى مجراه واما بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل كما إذا قال رجل لرجل زوجني بنتك أو قال جئتك خاطبا ابنتك أو قال جئتك لتزوجني بنتك فقال الأب قد زوجتك أو قال لامرأة أتزوجك على ألف درهم فقالت قد تزوجتك على ذلك أو قال لها زوجيني أو انكحيني نفسك فقالت زوجتك أو أنكحت ينعقد استحسانا والقياس أن لا ينعقد لان لفظ الاستقبال عدة والامر من فروع الاستقبال فلم يوجد الاستقبال فلم يوجد الايجاب الا أنهم تركوا القياس لما روى أن بلالا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أخطب إليكم لما خطبت فقالوا له ملكت ولم ينقل ان بلالا أعاد القول ولو فعل لنقل ولأن الظاهر أنه أراد الايجاب لان المساومة لا تتحقق في النكاح عادة فكان محمولا على الايجاب بخلاف البيع فان السوم معتاد فيه فيحمل اللفظ عليه فلا بد من لفظ آخر يتأدى به الايجاب والله الموفق وأما بيان ان النكاح هل ينعقد بعاقد واحد أو لا ينعقد الا بعاقدين فقد اختلف في هذا الفصل قال أصحابنا ينعقد بعاقد واحد إذا كانت له ولاية من الجانبين سواء كانت ولايته أصلية كالولاية الثابتة بالملك والقرابة أو دخيلة كالولاية الثابتة بالوكالة بأن كان العاقد مالكا من الجانبين كالمولى إذا زوج أمته من عبده أو كان وليا من الجانبين كالجد إذا زوج ابن ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة والأخ إذا زوج بنت أخيه الصغيرة من ابن أخيه الصغير أو كان أصيلا ووليا كابن العم إذا زوج بنت عمه من نفسه أو كان وكيلا من الجانبين أو رسولا من الجانبين أو كان وليا من جانب ووكيلا من جانب آخر أو وكلت امرأة رجلا ليتزوجها من نفسه أو وكل رجل امرأة لتزوج نفسها منه وهذا مذهب أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا ينعقد النكاح بعاقد واحد أصلا وقال الشافعي لا ينعقد الا إذا كان وليا من الجانبين ولقب المسألة أن الواحد هل يجوز أن يقوم بالنكاح من الجانبين أم لا ( وجه ) قول زفر والشافعي أن ركن النكاح اسم لشطرين مختلفين وهو الايجاب والقبول فلا يقومان الا بعاقدين كشطري البيع الا أن الشافعي يقول في